سيد قطب
3757
في ظلال القرآن
صلى اللّه عليه وسلم - على إعطائه النبوة . وهنا يردعه ردعا عنيفا عن هذا الطمع الذي لم يقدم حسنة ولا طاعة ولا شكرا للّه يرجو بسببه المزيد : « كَلَّا ! » ، وهي كلمة ردع وتبكيت - « إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً » . . فعاند دلائل الحق وموحيات الإيمان . ووقف في وجه الدعوة ، وحارب رسولها ، وصد عنها نفسه وغيره ، وأطلق حواليها الأضاليل . ويعقب على الردع بالوعيد الذي يبدل اليسر عسرا ، والتمهيد مشقة ! « سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً » . . وهو تعبير مصور لحركة المشقة . فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقا . فإذا كان دفعا من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقا . وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة . فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود ، يندب في طريق وعر شاق مبتوت ؛ ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق ، كأنما يصعد في السماء ، أو يصعد في وعر صلد لا ريّ فيه ولا زاد ، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق ! ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه ! ويعصر أعصابه ! ويقبض جبينه ! وتكلح ملامحه وقسماته . . كل ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن ، وليجد قولا يقوله فيه : « إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ قُتِلَ ! كَيْفَ قَدَّرَ ؟ ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » . . لمحة لمحة . وخطرة خطرة . وحركة حركة . يرسمها التعبير ، كما لو كانت ريشة تصور ، لا كلمات تعبر ، بل كما لو كانت فيلما متحركا يلتقط المشهد لمحة لمحة ! ! ! لقطة وهو يفكر ويدبر ومعها دعوة هي قضاء « فَقُتِلَ ! » واستنكار كله استهزاء « كَيْفَ قَدَّرَ ؟ » ثم تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار . ولقطة وهو ينظر هكذا وهكذا في جد مصطنع متكلف يوحي بالسخرية منه والاستهزاء . ولقطة وهو يقطب حاجبيه عابسا ، ويقبض ملامح وجهه باسرا ، ليستجمع فكره في هيئة مضحكة ! وبعد هذا المخاض كله ؟ وهذا الحزق كله ؟ لا يفتح عليه بشيء . . إنما يدبر عن النور ويستكبر عن الحق . . فيقول : « إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ » ! إنها لمحات حية يثبتها التعبير القرآني في المخيلة أقوى مما تثبتها الريشة في اللوحة ؛ وأجمل مما يعرضها الفيلم المتحرك على الأنظار ! وإنها لتدع صاحبها سخرية الساخرين أبد الدهر ، وتثبت صورته الزرية في صلب الوجود ، تتملاها الأجيال بعد الأجيال ! فإذا انتهى عرض هذه اللمحات الحية الشاخصة لهذا المخلوق المضحك ، عقب عليها بالوعيد المفزع : « سَأُصْلِيهِ سَقَرَ » . . وزاد هذا الوعيد تهويلا بتجهيل سقر : « وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ؟ » . . إنها شيء أعظم وأهول من الإدراك ! ثم عقب على التجهيل بشيء من صفتها أشد هولا : « لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ » . . فهي تكنس كنسا ، وتبلع بلعا ، وتمحو محوا ، فلا يقف لها شيء ، ولا يبقى وراءها شيء ، ولا يفضل منها شيء ! ثم هي تتعرض للبشر وتلوح : « لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ » . . كما قال في سورة المعارج : « تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى » . . فهي تدل على نفسها ، وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس ، بمنظرها المخيف ! ويقوم عليها حراس عدتهم : « تِسْعَةَ عَشَرَ » . . لا ندري أهم أفراد من الملائكة الغلاظ الشداد ، أم صفوف